محمد بن زكريا الرازي
83
الحاوي في الطب
أقوى من هذه الأدوية ، إلا أنه لا يكون للقشرة التي تحدث عنها بقاء وتسقط سريعا . وأما القشرة التي تتولد عن الأدوية القابضة فإنها تمكث مدة طويلة فتسبق اللحم فينبت قبل سقوط القشرة ، ولذلك يجب أن لا تبادر في قلع القشرة - كما يفعل كثير من المعالجين - قبل أن ينبت اللحم ، ومتى بادرت إلى كشطها بقي الموضع الذي يضطرك إلى الكي عفنا فقط . قال : فأما محصل جملة كلامي كله فأقول : أن الدم المنبعث ينقطع إما من أجل أن مجيئه لتلك العروق ينقطع ، وإما من قبل أن الخرق ينسد ، وإما من الأمرين جميعا وهو أجود ، ومجيء الدم إلى موضع الخرق ينقطع إما لغشي يعرض لصاحب العلة أو باجتذاب الدم إلى ناحية الخلاف ، أو بنقله عن تلك المواضع إلى غيرها وتبريد جملة البدن وخاصة ذلك العضو الذي به الجرح . وكثيرا ما يقطع انبعاث الدم شربة ماء بارد أو صب الماء البارد على البدن والخرق ، وتنسد إما بقشرة وإما بالفتل والأدوية ، وإما بعلق الدم . لي : قال ج : إني لأجد تبريد العضو الذي ينزف الدم من جراحة ، لأن ذلك يدفع الدم إلى باطن الجسم وتملأ به العروق فيكون النزف الذي من داخل لذلك أقوى . وقد رأيت قوما كثيرا رعفوا أضرهم تبريد الرأس ، وإذا كان هذا الحال في النزف الذي من داخل فإن تبريد العضو ظاهر الجسم في النزف الذي من ظاهر البدن جيد بالغ لأنه يدفع الدم من ظاهر الجسم إلى باطنه ، فإن الخراج الحادث في العروق الغير الضوارب فإن مداواتها كمداواة القروح الحادثة في اللحم ، وقد وصفناه وكتبناه نحن في قوانين القروح . قال : وذلك أنها إن كانت إنما حدثت عن ضربة قريبة العهد فمن الواقعة أن القروح إلحامها بالأدوية الملحمة وإن كانت إنما حدثت على جهة الآكلة فمثل ما ذكرت هناك في القروح الخبيثة الردية ، ثم عالج بحسب ما تحتاج إليه ، وكذلك فمتى ربطت العرق برباط أو داويته بأدوية من شأنها قطع الدم أو كويته بالنار وكان غرضك أن تنبت في شفتي الجرح لحما فاستعمل الأدوية التي تعلمت بالطريق الصناعي استعمالها في مداواة القروح الغائرة ، وبالجملة فعلاج القروح الحادثة في العروق الغير الضوارب مثل الحادثة في اللحم . قال : وأما الجرح الحادث في الشرايين فقد ظن قوم من الأطباء أنه مما يمكن التحامه وبعضهم ظن أنه مما لا يمكن التحامه وبعضهم يستشهد في ذلك بالتجربة ، وبعضهم يستشهد بالقياس ، فيقولون : إن الضارب أحد صفاقي الشريان صلب غضروفي ، والأجسام الصلبة لا تلتحم ، وذلك أنا لم نجد غضروفا قط اتصل بغضروف ولا عظما التحم بعظم بل إنما يلتزق العظام بعضها ببعض بالدشبد . وأنا أقول : إني رأيت شرايين التحمت ونبت حول خرقها لحم ، أما في الصبيان والنساء ففي الجبهة والعنق والكفين والرسغ ، وأما في رجل شاب فإن رجلا فصد الشريان على أنه عرق ضارب فبادرت إلى شفتي الجرح فجمعتهما باستقصاء ووضعت عليه من الأدوية المغرية المسددة ووضعت فوق الدواء إسفنجة لينة رطبة ، وتقدمت إليه أن يرطب الإسفنجة وينديها